فوزي آل سيف
76
صفحات من التاريخ السياسي للشيعة
نوح غرب البقاع كمركز علمي شيعي. القرن الثامن ومرجعيات شيعية: ظهر للشيعة علماء ومجتهدون على مستوى عال من المعرفة، حتى تجاوزوا محيطهم المحلي في مرجعيتهم إلى بقية أنحاء العالم الشيعي. * فهذا الشيخ محمد بن مكي العاملي (الشهيد الأول): (734- 786هـ)، يُطلب من قبل حكومة (السربدارية) التي تأسست في خراسان على يد الشيعة الاثني عشرية بعد ثورتهم على المغول، ليكون شيخ الإسلام في تلك الدولة الناشئة، الأمر الذي اعتذر عنه، وكتب لهم (اللمعة الدمشقية) في فروع الفقه. وقد جاء في ترجمته أنه قرأ على علماء جبل عامل.قبل أن يذهب إلى العراق. كما كان يتردد على دمشق لارشاد المؤمنين فيها، وبعض كتبه ألفها ايام كونه فيها. وهذا يشير إلى توطن العلم الديني في جنوب لبنان حيث كانت بلدته.. وانتشار الحالة الشيعية إلى دمشق. بل إنه >قد استحدث الشهيد الأول نظاما خاصا لجباية الخمس وتوزيع العلماء في المناطق، وكان لهذا العمل الفكري والثقافي والتنظيمي الذي نهض به الشهيد ومن خلفه من فقهاء الشيعة دور كبير في حفظ التشيع في بلاد الشام<([92]). وقد تكرست (كرك نوح في بعلبك)([93]) كحاضرة علمية
--> 92 ) الغروي محمد هادي في مقدمة رياض المسائل: ج1، ص66. 93 ) كانت بلدة الكرك معقلا للشيعة منذ الفتح الإسلامي، بسبب وجود بعض القبائل الموالية للإمام علي عليه السلام مع الجيوش التي فتحت بلاد الشام ودخلت البقاع، أمثال الهمدانيين وخزاعة التي تفرع منها الحرافشة (!)، وحتى الأوزاعي الذي درس في الكرك يبدو متأثرا بطريقة الشيعة في الرواية عن أهل البيت. وانحصرت تراجم الأعلام الكركيين الذين عثرت عليهم في بطون الكتب خلال قرون عدة على الشيعة فقط، ولم أقع على ترجمة واحدة لعالم كركي من المذاهب الأربعة. وازدهرت مدرسة الكرك في القرنين العاشر والحادي عشر وبلغت درجة مرموقة من حيث عدد العلماء والطلاب، وأنواع العلوم التي تعطى وطرق التدريس، فقصدها طلاب المعرفة من مختلف الأقطار، وخصوصا من جبل عامل، أمثال الشهيد الثاني زين الدين الجبعي، الذي رحل إلى كرك نوح طلبا للأخذ من مشايخها، يرافقه الشيخ حسين بن عبد الصمد -والد البهاء- ومن العلماء الذين أموا الكرك وقرأوا على مشايخها علي بن هلال الجزائري..، راجع: جامع المقاصد، المحقق الكركي، ج1، تكملة مقدمة التحقيق: ص28.